واردات الألواح الشمسية الصينية إلى سورية: قفزة تقودها الأزمة لا السوق
تكشف قرابة عشرة أعوام من بيانات الجمارك الصينية انتقال سورية من سوق محدودة ومتذبذبة للألواح الشمسية إلى سوق بدأت تشهد تسارعاً واضحاً منذ عام 2025. ورغم أن سورية لا تزال ضمن المراتب الأخيرة عربياً من حيث الحجم التراكمي للواردات، فإن اتجاه النمو المسجل خلال 2025 والأشهر الأولى من 2026 يشير إلى تحوّل مهم يستحق التحليل.
بين كانون الثاني/يناير 2017 ونيسان/أبريل 2026، استوردت سورية ما مجموعه 181.4 ميغاواط من الألواح الشمسية الصينية الجاهزة. ويرتفع الإجمالي إلى نحو 205.8 ميغاواط عند احتساب الخلايا والرقائق الشمسية، وهي مدخلات صناعية لا تمثل ألواحاً جاهزة للتركيب.
تستند هذه الأرقام إلى قاعدة بيانات صادرات الطاقة الشمسية الصينية التابعة لمؤسسة Ember، والمبنية على بيانات الجمارك الصينية الشهرية، فيما تولّت بوابة الطاقة المتجددة معالجة البيانات وتصفيتها وتحليلها.
لكن قراءة هذه الأرقام تتطلب تمييزاً أساسياً: البيانات تقيس القدرة الاسمية للألواح المستوردة من الصين عند الحدود الجمركية، ولا تقيس القدرة الشمسية المركبة أو المتصلة بالشبكة أو العاملة فعلياً داخل سورية.
الملخص التنفيذي
بلغت واردات سورية التراكمية من الألواح الشمسية الصينية الجاهزة نحو 181.4 ميغاواط خلال الفترة الممتدة من 2017 حتى نيسان 2026.
بعد سنوات من التذبذب بين نحو 7 و24 ميغاواط سنوياً، ارتفعت الواردات إلى 41.7 ميغاواط في عام 2025، وهو أعلى مستوى سنوي في السلسلة وأكثر من ستة أضعاف مستوى عام 2024 البالغ 6.94 ميغاواط.
استمر التسارع في مطلع عام 2026، حيث استوردت سورية 31.9 ميغاواط خلال أربعة أشهر فقط، من كانون الثاني حتى نيسان. وسجل نيسان وحده رقماً قياسياً شهرياً بلغ 18.36 ميغاواط.
على المستوى العربي، جاءت سورية في المرتبة 18 من أصل 22 دولة خلال الفترة الكاملة، بحصة لا تتجاوز 0.17% من إجمالي واردات الألواح الشمسية الصينية إلى الدول العربية.
مع ذلك، ارتفعت حصة سورية من نحو 0.14% خلال عام 2025 إلى قرابة 0.47% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، كما تحسن ترتيبها إلى المركز السادس عشر خلال هذه الفترة الجزئية.
تُظهر بيانات الأسعار أن متوسط سعر الاستيراد السوري خلال عام 2025 بلغ نحو 0.096 دولار لكل واط، مقارنة بمتوسط عربي مرجح بلغ 0.095 دولار لكل واط. وهذا يعني أن ارتفاع كلفة الأنظمة الشمسية داخل سورية لا ينتج بالضرورة عن سعر اللوح المستورد، بل عن مكونات أخرى تشمل البطاريات والإنفرترات والشحن والتمويل والتركيب والرسوم وهوامش السوق المحلية.
تطور واردات سورية عبر الزمن
تكشف السلسلة الزمنية منحنى قريباً من شكل حرف U.
خلال الفترة الأولى بين عامي 2017 و2020، تراوحت الواردات السنوية بين 13 و24 ميغاواط تقريباً، وسجل عام 2019 ذروة مبكرة بلغت 24.44 ميغاواط.
جاء هذا الطلب في سياق تراجع موثوقية التغذية الكهربائية واعتماد عدد متزايد من المنازل والمنشآت على حلول طاقة بديلة في المناطق التي عانت من الانقطاع الطويل أو عدم استقرار الشبكة.
بين عامي 2021 و2024، دخلت السوق مرحلة انكماش. وبلغت الواردات:
- 8.99 ميغاواط في 2021.
- 9.15 ميغاواط في 2022.
- 9.24 ميغاواط في 2023.
- 6.94 ميغاواط في 2024.
وكان مستوى عام 2024 الأدنى في كامل السلسلة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتعقيدات التمويل والاستيراد والتجارة الخارجية.
جاءت الانعطافة الأساسية في عام 2025، عندما قفزت واردات الألواح الجاهزة إلى 41.7 ميغاواط، أي نحو ستة أضعاف مستوى العام السابق.
ولم تكن القفزة مؤقتة، إذ سجلت الأشهر الأربعة الأولى من 2026 واردات مقدارها 31.91 ميغاواط، تعادل نحو ثلاثة أرباع إجمالي واردات عام 2025.
المسار الشهري خلال عام 2026
لا تكمن أهمية بيانات 2026 في حجم الواردات فقط، بل في وتيرة الارتفاع المتتابعة شهراً بعد شهر:
- كانون الثاني: 0.79 ميغاواط.
- شباط: 4.34 ميغاواط.
- آذار: 8.42 ميغاواط.
- نيسان: 18.36 ميغاواط.
وبذلك تجاوزت واردات شهر نيسان وحده إجمالي الواردات المسجلة في كل سنة من السنوات الممتدة من 2021 إلى 2024.
يتزامن هذا المسار مع استمرار أزمة الكهرباء وتدني ساعات التغذية من الشبكة العامة، واتساع اعتماد المنازل والمحال والورش والمنشآت الزراعية ومضخات المياه والمنظمات والمراكز الخدمية على الأنظمة الشمسية اللامركزية.
عندما تعجز الشبكة عن تلبية الطلب، يتحول جزء متزايد من المستهلكين إلى حلول فردية، ويظهر هذا التحول بوضوح في بيانات الواردات.
سورية ضمن السياق العربي
استوردت الدول العربية الاثنتان والعشرون مجتمعة نحو 104 غيغاواط من الألواح الشمسية الصينية الجاهزة خلال الفترة الممتدة من 2017 حتى نيسان 2026.
إلا أن السوق العربي شديد التركّز. فقد استحوذت السعودية والإمارات وحدهما على نحو 59% من إجمالي الواردات العربية.
بلغت واردات السعودية نحو 35.4 غيغاواط، فيما بلغت واردات الإمارات نحو 25.9 غيغاواط. وتلتهما مصر وعُمان والأردن والمغرب والعراق ضمن مجموعة الأسواق المتوسطة والكبيرة.
في المقابل، بلغت واردات سورية 181.4 ميغاواط فقط، ما وضعها في المرتبة 18 من أصل 22 دولة، بحصة مقدارها 0.17%.
لكن الترتيب التراكمي لا يعكس التغير الأخير بالكامل. ففي عام 2025 جاءت سورية في المرتبة السابعة عشرة، ثم ارتفعت حصتها خلال الأشهر الأولى من عام 2026 إلى أكثر من ثلاثة أضعاف حصتها السابقة، وتقدمت إلى المركز السادس عشر خلال تلك الفترة.
هذا لا يجعل سورية سوقاً كبيرة من حيث الحجم، لكنه يضعها ضمن الأسواق التي سجلت تسارعاً نسبياً واضحاً في مطلع 2026.
الأسعار: سورية مقابل المتوسط العربي
شهدت أسعار تصدير الألواح الشمسية الصينية انخفاضاً حاداً خلال السنوات الأخيرة، نتيجة توسع التصنيع الصيني وفائض القدرة الإنتاجية والمنافسة السعرية العالمية.
انخفض متوسط سعر الاستيراد من مستويات قاربت 0.28 دولار لكل واط في عام 2022 إلى نحو 0.096 دولار لكل واط في سورية خلال عام 2025.
على المستوى التراكمي، بلغ متوسط السعر السوري خلال الفترة نحو 0.197 دولار لكل واط، مقارنة بمتوسط عربي مرجح بلغ 0.154 دولار لكل واط.
لكن هذه الفجوة لا تعني بالضرورة أن المستورد السوري يدفع علاوة سعرية ثابتة.
استوردت سورية نسبة أكبر من إجمالي وارداتها خلال السنوات الأولى، عندما كانت أسعار الألواح العالمية أعلى. في المقابل، استوردت الأسواق العربية الكبرى معظم أحجامها خلال 2024 و2025، بعد الانخفاض الكبير في الأسعار.
وعند إجراء المقارنة سنة بسنة، يتقارب السعر السوري مع المتوسط العربي بصورة كبيرة. ففي عام 2025، بلغ السعر السوري نحو 0.096 دولار لكل واط، مقابل 0.095 دولار لكل واط للمتوسط العربي المرجح.
اللوح رخيص، لكن النظام الكامل ليس كذلك
لا يعني انخفاض سعر اللوح أن النظام الشمسي الكامل أصبح منخفض التكلفة أو متاحاً لجميع الأسر والمنشآت.
تشمل التكلفة النهائية للنظام:
- البطاريات.
- الإنفرترات.
- هياكل التثبيت.
- الكابلات والحمايات.
- الشحن والنقل.
- التركيب والصيانة.
- تكاليف التمويل.
- الرسوم والضرائب.
- هوامش المستوردين والموزعين.
في عدد كبير من الأنظمة المنزلية والتجارية، قد تكون تكلفة البطاريات والإنفرتر والتركيب أعلى من تكلفة الألواح نفسها.
لذلك يمثل انخفاض سعر الألواح شرطاً مهماً لتوسع السوق، لكنه ليس كافياً وحده لجعل الطاقة الشمسية متاحة على نطاق واسع.
سورية مقارنة بدول الجوار
تظل سورية سوقاً صغيرة مقارنة بعدد من دول الجوار.
خلال الفترة المدروسة، بلغت واردات:
- الأردن: 5.15 غيغاواط.
- العراق: 3.06 غيغاواط.
- لبنان: 2.56 غيغاواط.
- سورية: 181.4 ميغاواط.
- فلسطين: 53.2 ميغاواط.
تفوق واردات كل من الأردن والعراق ولبنان واردات سورية بأكثر من مرتبة حجمية كاملة.
لا تعكس هذه الفجوة اختلاف الطلب على الكهرباء البديلة فقط، بل تعكس كذلك اختلاف القدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية والتمويل وقنوات الشحن والاستيراد.
حافظ الأردن والعراق ولبنان على قنوات استيراد وتمويل أكثر استقراراً خلال أجزاء كبيرة من الفترة، في حين واجهت السوق السورية عقوبات وتعقيدات مصرفية وقيوداً على التجارة الخارجية وبنية استيراد محدودة نسبياً.
القراءة الاقتصادية والسياسية
لا يمكن تفسير قفزة عام 2025 بالطلب وحده، لأن الحاجة إلى الكهرباء البديلة كانت مرتفعة قبل ذلك بسنوات.
يُرجح أن ما تغير هو قدرة السوق على الاستجابة لهذا الطلب.
خلال السنوات السابقة، لم يكن العائق الأساسي غياب الحاجة أو ارتفاع سعر اللوح فقط، بل شمل أيضاً صعوبة التمويل والتحويلات المصرفية والشحن والتخليص والوصول إلى الموردين الدوليين، إضافة إلى تركّز قنوات التجارة والاستيراد ضمن عدد محدود من الفاعلين.
بعد المرحلة الانتقالية التي أعقبت كانون الأول 2024، يُحتمل أن بعض القيود التجارية والتمويلية بدأت تتراجع تدريجياً، وأن قاعدة الشركات والتجار القادرين على الاستيراد اتسعت.
وبذلك يمكن قراءة النمو المسجل بعد 2025 بوصفه نتيجة تفاعل عاملين:
- طلب لامركزي واسع تفرضه أزمة كهرباء هيكلية.
- تحسن نسبي في قدرة التجار والشركات على الوصول إلى الألواح والأسواق الخارجية.
تبقى هذه القراءة تفسيراً تحليلياً مستنداً إلى اتجاه البيانات وسياق السوق، إذ لا توفر بيانات الجمارك الصينية معلومات مباشرة عن عدد المستوردين أو هويتهم أو شروط التمويل والتجارة داخل سورية.
ماذا لا تخبرنا به بيانات الواردات؟
لا توضح بيانات الواردات:
- مكان تركيب الألواح داخل سورية.
- عدد الألواح التي دخلت الخدمة فعلياً.
- مقدار المخزون المتبقي لدى المستوردين والموزعين.
- توزيع الأنظمة بين القطاعات المنزلية والتجارية والزراعية والصناعية والخدمية.
- حجم الألواح المستعملة أو المستوردة عبر دول وسيطة.
- الواردات القادمة من دول غير الصين.
- حجم الإنتاج أو التجميع المحلي.
- القدرة المتصلة بالشبكة.
- القدرة التشغيلية الفعلية للأنظمة.
قد يبقى جزء من الألواح في المستودعات، أو يدخل ضمن مشاريع لم تستكمل بسبب نقص البطاريات أو الإنفرترات أو التمويل، أو يُستخدم لاستبدال ألواح قديمة بدلاً من إضافة قدرة جديدة بالكامل.
لذلك لا يجوز تحويل رقم الواردات مباشرة إلى رقم للقدرة المركبة أو العاملة.
الخلاصة
ضمن السياق العربي، لا تزال سورية سوقاً صغيرة للألواح الشمسية الصينية، ولا تقترب أحجام وارداتها من الأسواق العربية الكبرى أو من أسواق بعض دول الجوار.
لكن سورية تمثل حالة مختلفة من حيث دوافع النمو.
السوق السورية لا يقودها بالدرجة الأولى برنامج مركزي واسع النطاق أو طفرة في محطات الطاقة الشمسية الكبيرة، بل تقودها أزمة كهرباء عميقة وطلب لامركزي من المنازل والمنشآت التجارية والزراعية والخدمية.
تؤكد بيانات 2025 ومطلع 2026 أن السوق دخلت مرحلة نمو جديدة، مع ارتفاع واضح في حجم الواردات وتسارع شهري غير مسبوق في السلسلة المتاحة.
مع ذلك، تظل حدود البيانات حاسمة. ما توثقه الأرقام هو دخول الألواح عبر الجمارك الصينية، وليس تركيبها أو تشغيلها داخل سورية.
القفزة حقيقية وموثقة عند حدود التجارة الخارجية، لكن ترجمتها إلى ميغاواطات مركبة وعاملة على الأرض تبقى سؤالاً يحتاج إلى بيانات محلية ومسوح ميدانية وقواعد بيانات للأنظمة والمشاريع.
المنهجية وحدود البيانات
تستند الأرقام إلى قاعدة بيانات صادرات الطاقة الشمسية الصينية الصادرة عن مؤسسة Ember، والمبنية على بيانات الجمارك الصينية الشهرية.
تشمل القاعدة ثلاثة أنواع رئيسية من المنتجات:
- الألواح الشمسية الجاهزة.
- الخلايا الشمسية.
- الرقائق الشمسية.
استخدمت المقارنة بين الدول العربية بيانات الألواح الجاهزة فقط، لأنها منتجات قابلة للتركيب المباشر، بينما تُعد الخلايا والرقائق مدخلات صناعية.
تغطي بيانات عام 2026 الفترة من كانون الثاني حتى نيسان فقط، ولذلك لا تمثل سنة كاملة، ولم يتم إسقاطها خطياً على بقية العام.
تمثل قيم الميغاواط القدرة الاسمية التقريبية للمنتجات المصدرة وفق منهجية قاعدة البيانات. ولا تمثل القدرة المركبة أو المتاحة أو التشغيلية أو الإنتاج الفعلي للكهرباء.